قبل عشر سنوات، كنت معجباً بحزب اللّه

قبل عشر سنوات، بما يُعرَف اليوم بِ” حرب تمّوز”، كان لإسرائيل هدفٌ معلنٌ وهو تدمير حزب اللّه في لبنان. ولكن ما فعلَتهُ في المقابل كان تدمير البنى التّحتيّة في لبنان، قصف المناطق المدنية، وتشويه الأطفال. كانت الحرب بوضوح ضدّ لبنان بحدّ ذاته.

 كنت قد وصلت إلى لبنان، بلدي الأصلي، بعد أن عشت خارج البلاد لمدّة ثلاثة عشر عاماً. وكنت قد مكثت في النّبطيّة، جنوب لبنان، مع إخوتي، أبناء أعمامي، عمّتي وجدّتي. أمّا والديّ كانا قد ذهبا إلى بيروت قبل يوم واحد من بدء الحرب للبحث عن مسكنٍ لنا هناك. فنحن كنّا عائدين للعيش والاستقرار في لبنان.

 أتذكّر جيّداً صوت قصف المدفعيّة بعيداً عن النّبطيّة في الصباح الأوّل. أتذّكّر أيضاً طائرة حربيّة تقصف مبنىً. أتذكّر كيف كان علينا أن نهرع الى القبوّ خلال ليالي القصف الثّقيل وكيف إنتقلنا للمكوث في القبو في نهاية المطاف. كما اني اذكر كيف لجئنا جميعاً للعيش في غرفة معيشة واسعةٍ، وكيف أصبحنا لاجئين في منزلنا. أتذكّر الضغط النّفسي والتوتر بسبب بُعدي عن والديّ. أتذكّر الإتّصال الهاتفي من حسن نصر اللّه، ليلة قصف حزب اللّه الشّهيرة للبارجة الإسرائيلية. أتذكّر المذبحة، الدّم الّذي رأيته على التّلفاز، السّيّارات المشتعلة (بالأحرى ما تبقّى منها)، الجسور المدَمَّرة، قلّة الطّعام، خالتي تنحف وتخسر وزنها، جدّتي وهي تدعي وتتلو الصّلوات، إنقطاع الكهرباء لمدّة سبعة أيّام. كما أتذكّر خوفنا من الذّهاب إلى الحمّام وان نكون بعيدين عن غرفة المعيشة.

 مثل مئات الآلاف من اللّبنانيّين، لا يزال لديّ كوابيس عن طائرات حربيّة إسرائيليّة تدمر بلدي وتمحيه عن وجه الأرض. رأيت كابوساً مماثلاً منذ فترةٍ ليست بطويلة. ولمدّة طويلة بعد انتهاء الحرب، كان قلبي يدقّ ويخفق بقوّة شديدة من الخوف كلما سمعت صوتاً عالياً.

07hezbollah.xlarge1

James Hill “جنود حزب اللّه يُكرَّمون في جنوب لبنان، سنة ٢۰۰٢.”

 في النّهاية، بعد اثني عشر يوماً، هربنا إلى خلدة، بلدة صغيرة تقع في جنوب بيروت. هناك كنّا نشعر بكلّ ذبذبةٍ جراّء القصف في الضّاحية، الضّاحية الجنوبيّة للعاصمة الّتي تلقّت معظم القصف الإسرائيلي المكثف.

 أتذكّر أيضاً تلك اللّيالي عندما كان حزب اللّه يطلق صواريخ من العيار الثّقيل نحو إسرائيل. واتذكر كيف كان صدى اصوات الصواريخ يرنّ في الوادي. بالنّسبة لي، الرّد على إسرائيل هو ردٌّ مبرّرٌ، طبيعيّ، وسأظلّ داعماً لأيّة مقاومة ضدّ إسرائيل في المستقبل.

 بعد الحرب، حفظت عن ظهر قلب الكثير من أغاني حزب اللّه الدعائيّة. كما اني ذهبت بمرح إلى حفلات الفرق الموسيقيّة الّلواتي أنتجنَ الكثير من تلك الأغنيات.

لكن إعجابي لحزب اللّه وإحترامي له ماتا في النّهاية, جزئياً بسبب سياستهم وسياساتهم العنيفة والمشكوك فيها كثيراً داخل البلد. امّا السّبب الأكبر كان ويظلّ تدخّل حزب اللّه في سوريّا.

 فكيف لحزب اللّه أن يقف مع نظام بشّار الأسد في سوريّا، عندما يتصرّف الجيش السّوري بشكل مشابه لجيش الاحتلال الإسرائيلي؟ إنّ النّظامان، النظام السّوري كما النظام الإسرائيلي قد قاما بقصف المناطق المدنيّة بلا تردّد وبعدم شفقة بواسطة القنابل الذكيّة أو المعروفة الآن مع نظام الأسد ب “البراميل المتفجّرة”. فكيف لي أن أدعم حزب اللّه في سوريّا وأن أستمرّ بإعجابي له عندما يقوم بمساعدة الأسد من أجل إبقاءه في السّلطة، ويخضع الملايين من المدنيّين الى العذاب الذي تحمّلته أنا وأهلي وغيرنا من إسرائيل خلال حرب تموز.

 إنّ إسرائيل جعلتني لاجئاً داخل بلدي وخارجه.  الأسد قد فعل الشّيء نفسه في سوريّا. فقد أصبح الشعب السّوري شعباً لاجئاً داخل وطنه وخارجه…

 فكيف لي أن أحترم حزب اللّه عندما يقف إلى جانب نظام يقوم بتعذيب وقتل الآلاف من الأسرى؟ كيف يكون هذا النظام معارضاً للإمبرياليّة؟ إنّ نظام الأسد شارك بكل فخرٍ وكالة المخابرات المركزيّة للتّعذيب في الأشهر والأعوام الّتي تلت أحداث 9/11. نظام الأسد قد دعا إيران بفخرٍ إلى سوريّا. نظام الأسد إستقبل بسعادة وبصدرٍ رحب الإمبرياليّة الرّوسيّة. كيف يكون ذلك نظاماً معارضاً للصّهيونيّة؟  إن  إسرائيل إستهدفت مستشفى القدس في غزّة عدّة مرّات على مرّ السّنين والأسد دمّر مستشفى القدس في حلب، نيسان ٢۰۱٦. يقولون أنّهم متورّطون في سوريّا للدّفاع عن فلسطين, ولكن كيف يكون ذلك؟

  إن إحدى أطبّاء حلب وصف تدمير الأسد لمستشفى القدس قائلاً:

” النّاس الموجودون في حلب هم ناس قرّروا البقاء هنا. كنّا ننظر إلى النّاس في غزّة و نتساءل كيف بإمكانهم العيش بشكل طبيعيٍّ- و لكن الآن بتنا نعرف.”

 هم يعرفون كيف يعيش الناس غزة لأنّ نظام الأسد يتصرّف تماماً مثل الاحتلال الإسرائيلي، حتّى أنّه تفوّق على وحشيّة إسرائيل وقسواتها.

 كيف لحزب اللّه أن يقف داعماً لنظامٍ مسؤول عن أسوأ أزمة لاجئين منذ الحرب العالميّة الثّانية؟ وكيف بإمكان حزب اللّه أن يقف مع الأسد الّذي نَكَبَ شعبه، مثلما نكب الصّهاينة الفلسطنيّين؟

 إنّه أمرٌ بمنتهى البساطة، أنا لا أفرّق بين معاناة وظلم اللّبنانييّن على يد إسرائيل ومعاناة وظلم السّوريّين على يد بشّار الأسد وجهازه العسكري، بما فيه حزب اللّه.

 كيف يدافع حزب اللّه عن فلسطين عبر قتاله في حلب؟ حزب اللّه بات عمليّاً بشكلٍ بارد وساخر، متحالفاً مع أكثر الأنظمة إجراماً في العصر الحديث، من أجل حماية مصالحه، أي ليستمرّ في تلقي الأسلحة من إيران ونقلها عبر الأراضي السورية. أنا “أتفهّم” ذلك، لكن كيف هذا يجعل الأمر أكثر قبولاً؟ كيف يدعم حزب اللّه الفلسطنيّين حينما مئات الآلاف منهم كانوا محاصرين في اليرموك، المخيّم الفلسطيني قرب دمشق؟ وكلّا، تحالف بعض الفصائل الفلسطينيّة مع الأسد لا يعني تأييد الفلسطنيّين للأسد- آخر وأحدث إحصاء من المركز الفلسطيني للسّياسة والأبحاث الاستقصائية أظهر دعماً فلسطينيّاً بنسبة ٤۰% للجيش السّوري الحر، ودعماً بنسبة ۱٨% لنظام الأسد.

لماذا عليّ إدانة الحروب والمجازر التي يرتكبها نتنياهو ضد الفلسطينيّين في غزّة، وليس الحروب والمجازر التي يرتكبها الأسد على السوريّين نفسهم في سوريا؟

Dave-Simonds-12-February--002

David Simonds

 اليوم ليس هناك أيّ مبرّرٍ لدعم النظام السّوري، لا صواب وصلاح في ذلك. لا شيء يمكنه أن يبرّر دعم ذلك النظام، لا شيء… الأسد ليس اكثر من جزار، سفّاح، وديكتاتور اختار بكلّ سرور أن يحكم سوريّا بسفك دماء شعبها حتى اصبحت سوريا مدمّرة ومجرّدة من كل أنواع الحياة حيث يكتب داعموه على جدرانها البائسة في المناطق المحاصرة “الأسد أو سنحرق البلد” و”اما ان تركعوا أو تجوعوا”.

 كنت أحترم وأُعجب بحزب اللّه لأنّه يقاتل إلى جانب المظلوم. اما اليوم فإنّه يقاتل إلى جانب الظالم.

الكاتب: حسن شمعون.

 ساعد جوي أيوب في المراجعة و التعديلات.
 ترجمة منى بيبي ونور حجار.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s